وهبة الزحيلي
56
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
مَعْلُومٍ [ المرسلات 77 / 20 - 22 ] ، وقال سبحانه : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان 76 / 2 ] أي من نطفة من أخلاط متفرقة . فشأن هذا المخلوق أن يشكر النعمة ، لا أن يطغى ويتجبر ، وينكر البعث والإعادة . وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؟ أي وذكر أمرا عجيبا كالمثل في الغرابة على استبعاد إعادة اللّه ذي القدرة العظيمة للأجساد والعظام الرميمة ، ونسي نفسه ، وأن اللّه تعالى خلقه من العدم إلى الوجود ، فأنكر أن اللّه يحيي العظام البالية ، قائسا قدرة اللّه على قدرة العبد ، حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر . فأجابه اللّه تعالى بقوله : قُلْ : يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ أي قل أيها الرسول لهذا المشرك المنكر البعث : يحيي اللّه تلك العظام البالية الذي أبدع خلقها وأوجدها في المرة الأولى من غير شيء من العدم ولم يكن شيئا مذكورا ، وهو لا تخفى عليه خافية من الأشياء ، سواء أكانت مجموعة أم مجزأة مشتتة في أنحاء الأرض ، ولا يخرج عن علمه أي شيء كائنا ما كان ، ولو في أعماق الأرض أو البحر أو أجواف الإنسان أو الحيوان أو اختلط بالتراب والنبات . وقد قال العلماء : إن الذرّة لا تفنى ، وتقرر نظرية ( لافوازيه ) المعروفة : أنه لا يوجد شيء من العدم ، والموجود لا ينعدم . ودليل ثان هو : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً ، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أي وهو الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء ، حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر يانع ، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار ، ومن قدر على ذلك ، فهو قادر على